الشيخ السبحاني
148
الموجز في أصول الفقه
على كون الحكم عند الشارع كذلك أيضا أو لا ؟ فذهب الأصوليّون إلى وجود الملازمة بين الحكمين ، وما ذلك إلّا لأنّ العقل يدرك حكما عاما غير مقيّد بشيء . مثلا إذا أدرك العقل ( حسن العدل ) فقد أدرك انّه حسن مطلقا ، أي سواء كان الفاعل واجب الوجود أم ممكن الوجود ، وسواء كان الفعل في الدنيا أم في الآخرة ، وسواء كان مقرونا بالمصلحة أم لا ، فمثل هذا الحكم العقلي المدرك يلازم كون الحكم الشرعي أيضا كذلك وإلّا لما كان المدرك عاما شاملا لجميع تلك الخصوصيات . وبذلك تتضح الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع في المستقلّات العقلية . هذا كلّه في المستقلات العقلية وبه يظهر حكم غير المستقلّات العقلية ، فمثلا إذا أدرك العقل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته ، أو وجوب الشيء وحرمة ضدّه ، يكشف ذلك انّ الحكم عند الشرع كذلك ، لأنّ الحكم المدرك بالعقل حكم عام غير مقيّد بشيء من القيود ، فكما أنّ العقل يدرك الملازمة بين الأربعة والزوجية بلا قيد فيكون حكما صادقا في جميع الأزمان والأحوال ، فكذلك يدرك الملازمة بين الوجوبين أو بين الوجوب والحرمة ، فالقول بعدم كشفه عن حكم الشارع كذلك ، ينافي إطلاق حكم العقل وعدم تقيّده بشيء . وبذلك يتّضح أنّ ادّعاء الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع يرجع إلى أنّ الحكم المدرك بالعقل حكم مطلق غير مقيد بشيء ، فيعمّ حكم الشارع أيضا . المقام الثاني : حكم الشرع عند استقلال العقل بالحكم بالنظر إلى المصالح والمفاسد في الموضوع لا بالنظر إلى ذات الموضوع . فنقول : إذا أدرك العقل المصلحة أو المفسدة في شيء وكان إدراكه مستندا إلى المصلحة أو المفسدة العامتين اللّتين يستوي في إدراكهما جميع العقلاء ، ففي مثله يصحّ استنباط الحكم الشرعي من الحكم العقلي كلزوم الاجتناب عن السمّ